الشيخ محمد رشيد رضا
343
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ان يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين اللتين في النساء « وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً » إلى آخر الآية ، والتي في الفرقان وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً - إلى - وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً . قال ابن عباس إذا دخل الرجل في الاسلام وعلم شرائعه وامره ثم قتل مؤمنا متعمدا فلا توبة له ، واما التي في الفرقان فإنها لما نزلت قال المشركون من أهل مكة : فقد عدلنا باللّه ( أي أشركنا ) وقتلنا النفس التي حرم اللّه بغير الحق فما ينفعنا الاسلام ؟ قال فنزلت « إِلَّا مَنْ تابَ » * وفي رواية أخرى قال إنها نزلت في أهل الشرك . وروي عنه أنه قال : إن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بسنة ، وفي رواية أخرى بثماني سنين ، وهذه أقرب فان سورة الفرقان مكية حتما وسورة النساء مدنية نزل أكثرها بعد غزوة أحد كما تقدم واما الرواية التي ذكرها الأستاذ الامام وهي انها نزلت بعدها بستة اشهر فقد رواها ابن جرير عن زيد بن ثابت . وروي عن ابن مسعود ان الآية محكمة وما تزداد الاشدة . وعن الضحاك انه ما نسخها شيء وانه ليس له توبة وقد بين الأستاذ الامام الفرق بين قبول توبة المشرك من الشرك وما يتبعه من الجرائم وعدم قبول توبة المؤمن من القتل على قول ابن عباس ، وهو فرق واضح معقول من وجه وغير معقول من وجه آخر وهو انه لا ينطبق على قاعدتنا في حكمة اللّه في الجزاء على الشرك والذنوب وعلى الايمان والأعمال الصالحة وقد بيناها مرارا كثيرة ، وهي ان الجزاء تابع لتأثير الاعتقاد والعمل في تزكية النفس أو تدسيتها ، نعم ان اقدام المرء بعد الايمان ومعرفة ما عظم اللّه تعالى من تحريم الدماء وما شدد من الجزاء على جريمة القتل يكاد يكون ردة عن الاسلام وهو أولى بما ورد في الصحيح « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » الخ - وقد تقدم في بحث التوبة من تفسير هذه السورة - ، فان القتل أكبر إثما وأشد جرما من الزنا والسرقة وشرب الخمر التي ورد بها الحديث ، ولكن لا نسلم ما قاله شيخنا من أنه ليس لفاعله شبهة عذر بعد الاسلام ، وإذا سلمنا ذلك وحكمنا بأن نفس القاتل قد صارت بالقتل شر النفوس وأشدها رجسا ، وأبعدها عن موجبات الرحمة ، وهو معنى ما في